“باب الحارة” ماتَ وإكرام الميت دفنه!

كتب: آخر تحديث:

bab-alhara

يحصد “باب الحارة” أعلى نسبة مشاهدة على رغم التفكُّك والمراوغة والتشرذم. الناس أذواق وميول ورأي. فقدت يوميات حارة الضبع وهجها منذ حُبِس أبو عصام (عباس النوري) في دكانه وذهب أبو شهاب (سامر المصري) ولم يعد. كان ذلك في الجزء الثاني، أما اليوم فنحن في الجزء السابع. المسلسل (“أل بي سي آي”، “أم بي سي”) تكرارٌ بتكرار. متى وجد أنّه أفلس، افتعل إشكالاً مضحكاً بين رجال الحارات وراح يعيد نفسه. كما تآمر الكون على أبو عصام وأفرغ الجميع سخطه عليه، الآن يتكرر المشهد. منطق “باب الحارة”: كلما دقّ الكوز بالجرّة لجأ إلى ثنائية “الزكرت (المعدَّل)- العويني”! لا نجاة من الحلقة المفرغة، فأقصى “إبداعات” المسلسل أن تُثبَت براءة المتهم أو يُدان البريء. إلى أن أُضيف إلى هذا الجزء “إبداعٌ” آخر أُريد منه “صَدْم” المُشاهد: مغامرات معتزّ (وائل شرف) العاطفية! يستميت رجال الحارة للحصول على زوجاتهم، وفي الجزء المقبل يستميتون للحصول على زوجة أخرى، وهكذا دواليك، وإلا كيف سيستمرّ الضحك على المُشاهد؟

يمكن اعتبار الجزء السابع جزءَ أبو عصام ومعتزّ. باقي الأحداث فيه بليدة وعاجزة عن إخفاء افتعالها. عودة النمس (مصطفى الخاني) إضافة كوميدية لهواة السلوك الشعبوي المُنتَظر. يُنعش الجوّ كلما أوشك على لَفْظ أنفاسه. لا مبرر لعودة شخصيات انتهى دورها سوى لتحقيق هذا الإنعاش الضروري. لولا النمس لحلّ الجفاف على يوميات الحارة واقتصرت مفاجآتها على ما يجري بين نساء عصام (ميلاد يوسف) الثلاث أو على جولة أم زكي (هدى شعراوي) من منزل الى آخر. وثمة مُحرِّكٌ ثالث: خَوْف أبو بدر (محمد خير جراح) من زوجته فوزية (شكران مرتجى) واختفاء صوته حين ترفع صوتها. عدا ذلك بطولات وشبرية وشوارب مفتولة، وما لم يعد يُحتَمل: تحقير المرأة.

المرأة في المسلسل قابلة للاستهلاك حتى انتهاء الصلاحية، وإن كانت أم عصام (صباح الجزائري) المُفتَرض أنها ستّ نساء الحارة. لا يتردد الزوج عن استبدالها بأخرى متى عَنّ له ذلك. تتحمّل وحدها مسؤولية عدم الإنجاب وخدمة البيت وإبداء واجب الطاعة للزوج ووالدته، وإن بلغ الوضع حدّه وتذمّرت أو رفعت الصوت، رماها خارج المنزل واستبدلها بضرّة. ثلاث نساء حوامل في منزل عصام، ولم يكتفِ، ويبدو أنّ معتزّ على خُطى أخيه، لكنّ المسلسل ابتكر للحب سيناريو آخر: خفقان القلب لشابة يهودية. بعد الضجيج الذي أحدثته شخصية أم جوزف (منى واصف) المسيحية، دقّ المسلسل باب اليهود. يرتبط معتزّ بعلاقة حبّ مع سارة (كندة حنا)، فيخشى أبو عصام على حارات الشام من الفتنة. المسلسل ميت سريريّاً، ويستنهض من أجل بقائه ما أمكن استنهاضه. ثمة خياران: تزويج المتزوّج وغير المتزوّج والذي ظلّ يستبعد الزواج (كفريال خانم- وفاء موصللي التي تزوّجت أبو النار (علي كريم) وعندما عصت أوامره طلّقها!)، والخيار الثاني: “قولوا الله يا رجال”، والاشتباكات المصيرية في الحارة. زُجَّ اليهود في اللعبة ليقول المسلسل: انظرْ أيها المُشاهد، كم أنا خلّاقٌ مبدع، أتجاوزُ التقاليد والغرام التقليدي بين الجار والجارة، وأقفزُ إلى ما هو جذّابٌ ممتع. لا مُبرر آخر لهذا الحبّ المُفتَعل سوى ذلك. أما الإشكال الذي يهزّ الحارة كلما هدأت، ولا يُسمَح فيه لـ”الفرنساوي” وشرطة المخفر بالتدخل (لأسباب وطنية)، فمَشهدٌ حفظناه منذ خمسة أجزاء على الأقل، وإن كان المتزعِّم هذه المرة الهابط فجأة على الحارة في موسمٍ سابق، أبو ظافر (أيمن زيدان).

ككلّ الأجزاء (وقد بتنا أذكياء جداً ندرك اتجاه السيناريو)، سيُكشَف أبو ظافر على حقيقته وما يُخبّئه لأهل الحارة من شرّ (إن لم يُرجئ المسلسل ذلك إلى أجزاء أخرى!)، وسيقول الجميع (ككل مرة): كم كنا حمقى! كيف حدث ذلك؟ وسيُرَدّ الاعتبار إلى أبو عصام (أفضل أداء وأحبّ الشخصيات إلى القلب)، ويدرك “الفرنساوي” أنّ أحداً لن يفرّق بين أبناء الوطن مهما اشتدّت بهم خلافاتهم.

ليت في إمكان خيالنا المتواضع التكهّن بما قد يُخبِّئ لنا المخرج عزّام فوق العادة. لم يوفّر الكاتبان عثمان جحا وسليمان عبد العزيز محاولة لإحياء الميت. “باب الحارة” مات، فِلمَ الجُهد؟ إكرام الميت دفنه.

التعليقات